حين تُهدَّد لقمة العيش باسم التنظيم: من ينصف مستعملي الدراجات ثلاثية العجلات بتامسنا؟
في خضم التحولات التي تعرفها مدينة تامسنا على مستوى تنظيم قطاع النقل، يطفو على السطح ملف اجتماعي حساس يتعلق بمستعملي الدراجات ثلاثية العجلات، الذين باتوا يواجهون خطر التوقيف عن العمل، دون توفير بدائل حقيقية تحفظ لهم كرامتهم ومصدر رزقهم.
هذه الفئة، التي ظلت لسنوات تقدم خدمات النقل داخل أحياء المدينة، ليست مجرد رقم في معادلة تنظيم السير والجولان، بل هي شريحة اجتماعية هشة ارتبط نشاطها بشكل مباشر بفلسفة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي قامت منذ انطلاقتها على دعم الإدماج الاجتماعي والاقتصادي وخلق فرص الشغل للفئات ذات الدخل المحدود.
عدد مهم من هؤلاء المستعملين استفادوا من دراجاتهم في إطار برامج مدعومة، بعد تقييمات مرحلية أكدت آنذاك جدوى هذا النشاط ودوره في تحسين ظروف العيش. ورغم أن استعمال هذه الدراجات في نقل الأشخاص كان يتم في وضع قانوني ملتبس، إلا أنه ظل واقعا معاشا لسنوات، وساهم في سد خصاص واضح في وسائل النقل داخل المدينة، خاصة في المناطق التي يصعب على سيارات الأجرة تغطيتها بشكل منتظم.
اليوم، ومع التوجه نحو منع هذه الدراجات من نقل الأشخاص، يبرز إشكال حقيقي: هل يمكن تصحيح وضع قانوني هش على حساب الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي لعشرات الأسر؟
إن تنظيم القطاع أمر مشروع وضروري، لكن المقاربة الاجتماعية تفرض أن لا يتحول هذا التنظيم إلى قرار فجائي يقطع أرزاق الناس دون تمهيد أو بدائل. فتوقيف النشاط، في غياب حلول انتقالية منصفة، يشكل مساسا بروح وأهداف المبادرة الوطنية للتنمية البشرية نفسها، التي شجعت هؤلاء على الاندماج الاقتصادي بدل الارتهان للبطالة والهشاشة.
التنمية الحقيقية لا تُقاس فقط بعدد المشاريع المنجزة أو القوانين المفعّلة، بل بمدى الوفاء بالالتزامات الأخلاقية والاجتماعية تجاه الفئات التي تم تشجيعها سابقا على ولوج مسارات العمل الذاتي. فلا يعقل أن يُطلب من المواطن أن يستثمر في مورد رزقه ضمن برنامج تنموي، ثم يُترك وحيدا عند أول منعطف تنظيمي.
- من هذا المنطلق، تبدو الحاجة ملحة لاعتماد مقاربة تشاركية مسؤولة، تقوم على:
- فتح حوار جاد مع ممثلي مستعملي الدراجات ثلاثية العجلات؛
- البحث عن حلول عادلة، سواء عبر إدماجهم في صيغ نقل بديلة، أو تمكينهم من تحويل نشاطهم في إطار مواكبة حقيقية؛
- تحمل الجهات المعنية لمسؤوليتها الاجتماعية، انسجاما مع فلسفة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وأهدافها.
فالمدن لا تتطور بإقصاء الفئات الضعيفة، بل بدمجها في دينامية التنمية. والرهان اليوم ليس فقط على تنظيم النقل، بل على حماية كرامة الإنسان وضمان حقه في العيش الكريم. تلك هي المعادلة الصعبة… لكنها وحدها الكفيلة بصنع تنمية عادلة ومستدامة.
.jpeg)